الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
28
مختصر الامثل
بعد أن عرضت الآيات السابقة بحوثاً استدلالية في نفي الشرك وعبادة الأصنام ، تأتي هذه الآيات لتتناول قسماً من بدع المشركين وصوراً من عاداتهم القبيحة ، لتضيف دليلًا آخراً على بطلان الشرك وعبادة الأصنام ، فتشير الآيات إلى ثلاثة أنواع من بدع وعادات المشركين : وتقول أوّلًا : « وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَايَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ » . وكان النصيب عبارة عن قسم من الإبل بقية من المواشي بالإضافة إلى قسم من المحاصيل الزراعية ، وهو ما تشير إليه الآية ( 136 ) من سورة الأنعام . ثم يضيف القرآن الكريم قائلًا : « تَاللَّهِ لَتُسَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ » . وعليه فما تقومون به له ضرر مادي من خلال ما تعملونه بلا فائدة ، وله عقاب أخروي لأنّكم أسأتم الظن باللَّه واتجهتم إلى غيره . أمّا البدعة الثانية فكانت : « وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ » من التجسّم ومن هذه النسبة . « وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ » . أي : إنّهم لم يكونوا ليقبلوا لأنفسهم ما نسبوه إلى اللَّه ، ويعتبرون البنات عاراً وسبباً للشقاء . وإكمالًا للموضوع تشير الآية التالية إلى العادة القبيحة الثالثة : « وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ » . ولا ينتهي الأمر إلى هذا الحد بل « يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشّرَ بِهِ » . ولم ينته المطاف بعد ، ويغوص في فكر عميق : « أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ » . وفي ذيل الآية ، يستنكر الباري حكمهم الظالم الشقي بقوله : « أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ » . وأخيراً يشير تعالى إلى السبب الحقيقي وراء تلك التلوّثات ، ألا هو عدم الإيمان بالآخرة : « لِلَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . فالسبب الرئيسي لكل انحراف وقبح وخرافة هو الغفلة عن ذكر اللَّه وعن محكمته العادلة في الآخرة . دور الإسلام في إعادة اعتبار المرأة : لم يكن احتقار المرأة مختصاً بعرب الجاهلية ، فلم تلق المرأة أدنى درجات الاحترام والتقدير حتى في أكثر الأمم تمدّناً في ذلك الزمان ، وكانت المرأة غالباً ما يتعامل معها باعتبارها بضاعة وليست إنساناً محترماً ، ولكن عرب الجاهلية جسّدوا تحقير المرأة بأشكال أكثر قباحة ووحشية من غيرهم . وعندما ظهر الإسلام حارب بشدة هذه المهانة من كافة أبعادها .